ماذا تنتظر؟!

من عمل: ماذا تنتظر؟!

وهم البداية المؤجلة: هل نعيش حقاً أم ننتظر أن نعيش؟

فخ العتبة

تخيل معي أنك تقضي حياتك كلها واقفاَ عند العتبة، لا أنت في الخارج حيث بدأت الرحلة، ولا أنت في الداخل حيث تستقر الروح.

دعني أصارحك، أنني أيضًا أجد نفسي هناك كثيرًا؛ في ذلك الإحساس الغريب بأن: كل ما نفعله الآن، من عمل وسعي وتفاصيل، هو مجرد تمهيد لشيء حقيقي سيحدث لاحقًا.

وكأن هناك صوتًا خفيًا يهمس لنا بأن الستار لم يُرفع بعد، وأن المشهد الذي نؤديه الآن ليس إلا بروفة أخيرة قبل العرض الكبير.

هذا الشعور يحول حياتنا إلى قاعة انتظار كبرى، رغم أن صفحات عمرنا تمتلئ بالفعل بالأحداث.

هذا المقال لا أكتبه من مقعد التوجيه، بل بروح البحث عن إجابة السؤال الذي يطاردنا في لحظات الصمت:

لماذا نشعر دائماً أننا متأخرون عن حياتنا؟

الانتظار في حقيقته ليس موعداً في أجندة المواعيد، بل هو حالة ذهنية تسكننا.

هو ذلك الشعور بأن هناك فصلاً مفقوداً في روايتنا لم يبدأ بعد، رغم أننا في منتصف الكتاب بالفعل.

ولأن مواجهة هذا الفراغ الداخلي صعبة، فنحن نهرب منه إلى الشاشات التي لا تنطفئ.

نغرق في ضجيج الهواتف والخطط الطويلة لأن صمت الانتظار ثقيل جدًا.

فالشاشات هي محاولتنا اليائسة لملء ذلك الفراغ الصغير الذي يشبه سؤالاً غير مكتمل.

إننا ننتظر؛ لكننا لا نعرف يقينًا ماذا ننتظر، وهذا هو جوهر القلق المعاصر.

وهم المعنى الذي ينتظرنا في نهاية الطريق

إننا بارعون، بذكاء مثير للشفقة، في إقناع أنفسنا بأن المعنى سيأتي لاحقًا.

نقول لأنفسنا: إن الأمور ستتضح عندما نصل للنتيجة الفلانية، أو عندما نفهم أخيرًا لماذا حدث لنا ما حدث.

وذلك الربط الشرطي يجعل اللحظة الحالية تبدو ناقصة دائماً ومجرد عبء نود تجاوزه.

ببساطة، فإننا نعتبر الحاضر مجرد جسر نمر عليه لنصل إلى الجوهر.

لكن الحقيقة التي نكتشفها متأخرًا هي أن الجوهر يتسرب من بين أصابعنا بينما نحن مشغولون بمراقبة الأفق.

رحلة الانتظار.. من النتائج المادية إلى الفهم العميق

المثير للتأمل هو كيف يتغير شكل ما ننتظره مع مرور الوقت.

في البداية، ننتظر نتائج ملموسة: شهادة، أو وظيفة، أو تقديرًا من الآخرين.

ثم ننضج قليلاً، فنبدأ في انتظار شعور معين؛ ننتظر أن نشعر بالأمان أو بالرضا الذي طال تأجيله.

لكن في النهاية، نكتشف أننا ننتظر فهماً أعمق لما نمر به. فيكبر السؤال معنا ليصبح أقل حدة وأكثر عمقاً، ثم ننتظر أن تتصالح أفكارنا مع واقعنا.

ذلك التطور هو الذي يحول الانتظار من مجرد تضييع وقت إلى رحلة وعي تنضج على نار هادئة.

المعنى يُعاش

أكبر خدعة نمارسها ضد أنفسنا هي انتظار اكتمال الصورة.

نؤجل السعادة حتى تتضح الرؤية تماماً، متناسين أن الرؤية لا تتضح إلا بالمشي.

فاللحظة الحالية، بكل ما فيها من نقص وعدم وضوح وزحام، هي المساحة الوحيدة المتاحة لنا للفعل والعيش الحقيقي.

والحياة لا تمنحك المعنى مغلفاً وجاهزاً بعد أن تنتهي من الانتظار.

الحقيقة هي أنك بينما تحاول العيش وسط النقص، يتخلق المعنى تلقائياً.

والاعتراف بأن الحاضر، رغم قبحه أحياناً، هو كل ما نملك، وهو الخطوة الأولى لتوقفنا عن كوننا مجرد مراقبين لحياتنا.

فالحياة لا تبدأ بعد اكتمال المعنى، بل يتكوّن المعنى أثناء العيش.

السؤال الذي سيغير طريقة رؤيتك ليومك

عندما نتوقف عن التساؤل الملحّ حول ماذا ننتظر؟، يبدأ ثقل الانتظار في التلاشي.

ليس من الضروري أن تملك إجابات نهائية لكل مخاوفك، بل يكفي أن ترى هذا السؤال بوضوح دون أن تعلق سعادتك عليه.

الصدق الهادئ مع النفس هو الحل.

والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يرافقك في طريقك للعمل، أو وأنت تحتسي قهوتك، ليس عن الشيء القادم في الغد.

السؤال الأهم هو: ماذا تفعل الآن في هذه اللحظة الانتقالية؟

كيف تتعامل مع هذا الوقت الذي كنت تعتبره ضائعاً في انتظار شيء آخر؟

الخاتمة: دعوة للتصالح مع الحاضر المكسور.

في النهاية، لن تكتمل الصورة أبداً بالشكل المثالي الذي رسمته في خيالك، وهذا ليس خبراً سيئاً على الإطلاق.

فالتصالح مع نقص اللحظة هو المفتاح الوحيد لبدء العيش فعلياً.

علينا أن نتوقف عن معاملة حاضرنا كفترة انتظار، وأن ندرك أننا نعيش الآن، أما ما سيأتي لاحقاً فهو مجرد وهم.

فكر معي في زحام يومك القادم: إذا كان الانتظار قدراً لا مفر منه، فماذا تنوي أن تفعل بينما تنتظر؟